العيني

40

عمدة القاري

مكلبين ) * ( المائدة : 4 ) فإن قلت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن ، قلت : هذا كان في زمن كان النبي ، عليه الصلاة والسلام ، أمر فيه بقتل الكلاب ، وكان الانتفاع بها يومئذ محرماً ، ثم بعد ذلك رخص في الانتفاع بها ، وروى الطحاوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً ، وقضى في كلب ماشية بكبش ، وعنه عن عطاء : لا بأس بثمن الكلب ، فهذا قول عطاء ، رضي الله عنه ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ثمن الكلب من السحت ، وعنه عن ابن شهاب أنه إذا قتل الكلب المعلم فإنه تقوم قيمته فيغرمه الذي قتله ، فهذا الزهري يقول هذا ، وقد روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن ثمن الكلب من السحت ، وعنه عن مغيرة عن إبراهيم قال : لا بأس بثمن كلب الصيد ، وروي عن مالك إجازة بيع كلب الصيد والزرع والماشية ، ولا خلاف عنه أن من قتل كلب صيد أو ماشية فإنه يجب عليه قيمته ، وعن عثمان ، رضي الله عنه ، أنه أجاز الكلب الضاري في المهر وجعل على قاتله عشرين من الإبل ، ذكره أبو عمر في ( التمهيد ) [ / ح . الخامس : استدلت به الشافعية على وجوب غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات ، ولا فرق عندهم بين ولوغه وغيره ، وبين بوله وروثه ودمه وعرقه ونحو ذلك ، ولو ولغ كلاب أو كلب واحد مرات في إناء فيه ثلاثة أوجه : الصحيح : يكفي للجميع سبع مرات . والثاني : أنه يجب لكل واحد سبع . والثالث : أنه يكفي لولغات الكلب الواحد سبع ، ويجب لكل كلب سبع ، ولو وقعت نجاسة أخرى فيما ولغ فيه كفى عن الجميع سبع ، ولو كانت نجاسة الكلب دمه فلم تزل عينه إلاَّ بست غسلات مثلاً ، فهل يحسب ذلك ست غسلات أم غسلة واحدة أم لا يحسب من السبع أصلاً ؟ فيه أيضاً ثلاثة أوجه أصحها واحدة ، قال الكرماني : فإن قلت : ظاهر لفظ الحديث يدل على أنه لو كان الماء الذي في الإناء قلتين ولم تتغير أوصافه لكثرته كان الولوغ فيه منجساً أيضا ، لكن الفقهاء لم يقولوا به . قلت : لا نسلم أن ظاهره دل عليه ، إذ الغالب في أوانيهم أنها ما كانت تسع القلتين ، فبلفظ الإناء خرج عنه قلتان وما فوقه . قلت : إذا كان الإناء يسع القلتين أو أكثر ، فماذا يكون حكمه ؟ والإناء لا يطلق إلاَّ على ما لا يسع فيه إلاَّ ما دون القلتين ، واللفظ أعم من ذلك . السادس : انه ورد في هذا الحديث ( سبعاً ) أي : سبع مرات ، وفي رواية : ( سبع مرات أولاهن بالتراب ) . وفي رواية : ( أولاهن أو أخراهن ) ، وفي رواية : ( سبع مرات السابعة بتراب ) ، وفي رواية : ( سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب ) . وقال النووي : وأما رواية : وغفروه الثامنة بالتراب ، فمذهبنا ومذهب الجماهير ، إذا المراد : إغسلوه سبعاً واحدة منهن بتراب مع الماء ، فكان التراب قائماً مقام غسله ، فسميت ثامنة . وقال بعضهم : خالف ظاهر هذا الحديث المالكية والحنفية ، أما المالكية فلم يقولوا بالتتريب أصلاً مع إيجابهم السبع على المشهور عندهم ، وأجيب : عن ذلك بأن التتريب لم يقع في رواية مالك ، على أن الأمر بالتسبيع عنده للندب لكون الكلب طاهراً عنده . فإن عورض بالرواية التي روى عنه أنه نجس أجيب بأن قاعدته أن الماء لا ينجس إلاَّ بالتغير ، فلا يجب التسبيع للنجاسة بل للتعبد ، فإن عورض بما رواه مسلم عن أبي هريرة : ( طهور إناء أحدكم ) أجيب : بأن الطهارة تطلق على غير ذلك كما في * ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) * ( التوبة : 103 ) و : ( السواك مطهرة للفم ) ، فإن عورض بأن اللفظ الشرعي إذا دار بين الحقيقة اللغوية والشرعية حملت على الشرعية إلاَّ إذا قام دليل ، أجيب : بأن ذلك عند عدم الدليل ، وهنا يحتمل أن يكون من قبيل قوله ، عليه الصلاة والسلام : ( التيمم طهور المسلم ) . وبعض المالكية قالوا : الأمر بالغسل من ولوغه في الكلب المنهي عن اتخاذه دون المأذون فيه ، فإن عورض بعدم القرينة في ذلك ، أجيب : بأن الأذن في مواضع جواز الاتخاذ قرينة ، وبعضهم قالوا : إن ذلك مخصوص بالكلب الكَلِب ، والحكمة فيه من جهة الطب ، لأن الشارع اعتبر السبع في مواضع ، منها قوله : ( صبوا علي من سبع قرب ) ، ومنها قوله : ( من تصبح بسبع تمرات ) ، فإن عورض بأن الكلب الكِلب لا يقرب الماء ، فكيف يأمر بالغسل من ولوغه ؟ أجيب : بأنه لا يقرب بعد استحكام ذلك ، اما في ابتدائه فلا يمتنع ، فان عورض بمنع استلزام التخصيص بلا دليل ، والتعليل بالتنجيس أولى ، لأنه في معنى المنصوص ، وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب لأنه رجس ، رواه محمد بن نضر المروزي بأسناد صحيح ، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه . أجيب : بأنه يحتمل أن يكون هذا الإطلاق مثل إطلاق الرجس على الميسر والأنصاب . واما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ، ولا التتريب . قلت : لم يقولوا بذلك لأن أبا هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، الذي روى السبع ، روي عنه غسل الإناء مرة من ولوغ